ابن يعقوب المغربي
368
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
بعدم الغول سميناه قصر الصفة ، فلا اعتراض عليه ، إذ لا يخالف ما يقوله الغير ولا مشاحة في التعبير ، نعم إن أراد هذا القائل أن نفى الحصول في خمور الجنة وصف مقصور على الغول لا يتعداه إلى أن يكون وصفا للصحة والراحة - مثلا - كان من قصر المسند على المسند إليه ، ولكن لا يخفى ما فيه من التعسف ؛ لأن الظاهر - كما لا يخفى - أن الكلام مع من يعتقد أن الغول في خمور الجنة كخمور الدنيا ، لا مع من يعتقد أن الاتصاف بعدم الحصول في خمور الجنة محقق للغول ولغيره من الراحة مثلا أيضا أو لغيره فقط ، وأما من قال : إنه من قصر الموصوف على الصفة ، فيقول : - كما تقدم - إن المعنى أن عدم الغول مقصور على الاتصاف بكونه في خمور الجنة فلا يتعداه إلى الاتصاف بكونه في خمور الدنيا ، هذا إذا اعتبرنا القضية معدولة الموضوع وقررنا أن حرف النفي في جانب المسند إليه ، ومعناه هو المحكوم عليه ، وإن قررنا حرف السلب في جانب المحمول ومعناه هو المحكوم به لتكون القضية معدولة المحمول ، كان المعنى إن الغول مقصور على عدم الكون في خمور الجنة لا يتعداه إلى عدم الكون في خمور الدنيا ؛ لتحقق كونه فيها ، وارتكب هذا العدول في القضية ، ولم تجعل سالبة محضة لئلا يرد أن النفي ورد على تقديم يفيد القصر ، فيتسلط على نفى ذلك القيد ، على قاعدة أن النفي إذا ورد في كلام فيه قيد أفاد نفى القيد ، فعلى هذا يفيد النفي نفى القصر المفاد بقيد التقديم لا ثبوته ، ولكن هذا يرد بأن النفي قد يتوجه إلى أصل الثبوت مع عود القيد إلى النفي - كما تقدم - وذلك كما في قوله تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ " 1 " فالنفى لأصل الظلم مقيدا ذلك النفي بالمبالغة في تحققه ، وليس النفي متسلطا على المبالغة في الظلم ، وكما في قوله تعالى - أيضا - وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " 2 " فهو لتأكيد نفى ثبوت الإيمان لا لنفى تأكيد الثبوت الذي كان أصلا في الجملة الاسمية ، فعلى هذا يصح أن لا يعتبر العدول ، ويفيد الكلام النفي المقيد بالقصر لا نفى القصر ، واعترض اعتبار العدول في الموضوع مع انفصال حرف السلب بأنه لو جاز لجاز أن يكون جزأ من المسند في ما
--> ( 1 ) فصلت : 46 . ( 2 ) البقرة : 8 .